الشيخ محمد رشيد رضا
31
الوحي المحمدي
عصمة الأنبياء إذا كان إرسال الأنبياء إلى البشر لأجل هدايتهم إلى تزكية أنفسهم بما تصلح به أحوالهم في دنياهم ، ويستعدون به الحياة أعلى من هذه الحياة الدنيا في نشأة أخرى ، فلا يتم هذا الغرض ولا تتحقق هذه الحكمة إلا إذا كان هؤلاء الأنبياء أهلا لأن يقتدى بهم في أعمالهم وسيرتهم ، والتزام الشرائع والآداب التي يبلغونها عن ربهم ، ومن ثم قال علماؤنا بوجوب عصمة الأنبياء من المعاصي والرذائل ، وبالغ بعضهم فيها حتى قالوا بعصمتهم من الذنوب الصغائر كالكبائر قبل النبوة وبعدها ، وخصّ بعضهم العصمة من الصغائر بما كان باعثه الخسة والدناءة . وأهل الكتاب لا يقولون بهذه العصمة ، وكتبهم المقدسة ترمى بعض كبار الأنبياء بكبار الفواحش المنافية لحسن الأسوة ، بل المجرئة على الشرور والمفاسد . والنصارى منهم يجعلون معاصي الأنبياء دليلا على عقيدتهم وهي أن المسيح هو المعصوم وحده لأنه رب وإله ، ولأنه هو المخلص للناس من العقاب على الخطيئة اللازبة اللازمة لكل ذرية آدم بالوراثة له ، وأنه لا شفيع ولا مخلص لهم غيره ؛ لأن المخطئ لا يخلص المخطئين وهو منهم ، وهذه العقيدة وثنية مخالفة لدين الأنبياء وكتبهم وللعقل ، ومطابقة للأديان الوثنية الهندية وغيرها . بيد أنّ كتب العهدين القديم والجديد المقدسة عندهم المحرفة في اعتقادنا لا تشهد لهم برمى جميع أنبيائها بالذنوب فضلا عن المعاصي التي هي أشد من الذنوب ، فإن يوحنا المعمدان ( هو يحيى بن زكريا عليهما السلام ) لم يوصم بخطيئة قط . بل شهدت له أناجيلهم بما يدل على أنه كان أعظم من المسيح في عصمته ، ففي إنجيل لوقا ( 1 : 65 إنه يكون عظيما أمام الرب ، وخمرا ومسكرا لا يشرب ، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس ) وفيه « كانت يد الرب معه » ، وقال المسيح فيه : « متى 11 : 11 الحق أقول لكم إنه لم يقم بين المولدين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان » ، ثم قال فيه : « 18 جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فيقولون فيه شيطان 19 وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون : هو ذا إنسان أكول ، وشريب خمر ، محب للعشارين والخطاة » .